النويري
306
نهاية الأرب في فنون الأدب
استأنس وزال استيحاشه وألف ذلك الرجل ، حفروا أمامه بتدريج وتوطئة ، فيطلع وقد سلس قياده ، وزال عناده ، ثمّ يحملونه في المركب إلى الديار المصريّة في جملة التّقادم « 1 » الموظَّفة عليهم ؛ وبأرض الهند فيلة غير وحشيّة تستأنس إلى الناس ، وتتناتج بينهم ، ويقاتلون عليها في حروبهم ، فيجتمع للملك الواحد من ملوك الهند منها عدّة كثيرة ، وأكثرها يأوى المروج والغياض كالبقر والجاموس في بلادنا ؛ قال المسعودىّ : وهى تهرب من المكان الذي فيه الكركدّن ، فلا ترعى في موضع تشمّ فيه رائحته ؛ وللفيلة بأرض الهند آفة عظيمة من الحيوان ، وهو الذي يعرف بالزبرق « 2 » أصغر من الفهد ، أحمر اللَّون برّاق العينين ، سريع الوثبة ، يبلغ في وثبته إلى خمسين ذراعا وأكثر ، فإذا أشرف على الفيلة رشّ عليها ببوله ، فيحرقها ، وربّما لحق الإنسان فمات ؛ وهذا الوحش إذا أشرف على أحد من أهل الهند التجأ إلى أكبر شجر السّاج ، وارتقى إلى أعلاها ، فيأتي هذا الوحش إليها ويثب ، فإن أدركه رشّ عليه ببوله ، فأحرقه وإن عجز عنه وضع رأسه بالأرض وصاح صياحا عجيبا ، فتخرج من فمه قطع من الدّم ، ويموت من ساعته ، ويحترق من الشجرة ما يقع بوله عليه ؛ قالوا : وللهند طيب يجمعونه من جباه الفيلة ورؤسها ، فإنّها إذا اغتلمت عرفت « 3 » هذه الأماكن
--> « 1 » يريد بالتقادم : الضرائب التي يقدمونها إلى السلطان في كلّ سنة ، وهى كلمة كان يستعملها كتاب الدواوين في عصر المؤلف ، وقد ورد استعمالها كثيرا في السفر الثامن من هذا الكتاب كما ورد في غيره من الكتب . « 2 » كذا ورد هذا اللفظ في كلا الأصلين ومروج الذهب للمسعودي ( ج 3 ص 11 طبع باريس ) ولم نقف على ضبطه فيما لدينا من كتب اللغة ولا في الكتب المؤلفة في الحيوان ؛ وقد سبق في هذا السفر في الكلام على الببر ذكر هذا السبع باسم « الزبرقان » بزيادة ألف ونون ، كما ورد ذلك في نسخة مروج الذهب طبع مصر ؛ ولم نقف على نص يرجح إحدى هاتين الروايتين في هذا الاسم . « 3 » كذا ضبط هذا الفعل بضم الراء في اللسان .